أبي منصور الماتريدي
30
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، ولأنه لما استهل في الحضر لزمه صوم الإقامة ، وهو صوم الشهر حتما ، فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك ، كاليوم الذي سافر فيه ، فإنه لا يجوز له أن يفطر فيه . وفي وقت جواز الفطر للمسافر ثلاث أحوال : الأولى : أن يبدأ السفر قبل الفجر ، أو يطلع الفجر وهو مسافر ، وينوى الفطر ، فيجوز له الفطر إجماعا - كما قال ابن جزى - لأنه متصف بالسفر ، عند وجود سبب الوجوب . الثانية : أن يبدأ السفر بعد الفجر ، بأن يطلع الفجر وهو مقيم ببلده ، ثم يسافر بعد طلوع الفجر ، أو خلال النهار ، فإنه لا يحل له الفطر بإنشاء السفر بعد ما أصبح صائما ، ويجب عليه إتمام ذلك اليوم ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية ، وهو الصحيح من مذهب الشافعية ، ورواية عن أحمد ، وذلك تغليبا لحكم الحضر . ومع ذلك لا كفارة عليه في إفطاره عند الحنفية ، وفي المشهور من مذهب المالكية ، خلافا لابن كنانة ، وذلك للشبهة في آخر الوقت . ولأنه لما سافر بعد الفجر صار من أهل الفطر ؛ فسقطت عنه الكفارة . والصحيح عند الشافعية : أنه يحرم عليه الفطر حتى لو أفطر بالجماع لزمته الكفارة . والمذهب عند الحنابلة وهو أصح الروايتين عن أحمد ، وهو ما ذهب إليه المزنى وغيره من الشافعية : أن من نوى الصوم في الحضر ، ثم سافر في أثناء اليوم ، طوعا أو كرها ، فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بيوت قريته العامرة ، وخروجه من بين بنيانها ، واستدلوا بما يلي : ظاهر قوله تعالى : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وحديث جابر - رضى الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم ، وصام الناس معه ، فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصيام ، وإن الناس ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر ، فشرب - والناس ينظرون إليه - فأفطر بعضهم ، وصام بعضهم ، فبلغه أن ناسا صاموا ، فقال : « أولئك العصاة » . وحديث ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال : « خرج رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عام الفتح إلى مكة ، في شهر رمضان ، فصام حتى مر بغدير في الطريق ، وذلك في نحر الظهيرة . قال : فعطش الناس ، جعلوا يمدون أعناقهم ، وتتوق أنفسهم إليه . قال : فدعا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بقدح فيه ماء ، فأمسكه على يده ، حتى رآه الناس ، ثم شرب ؛ فشرب الناس » . وقالوا : إن السفر مبيح للفطر ، فإباحته في أثناء النهار كالمرض الطارئ ولو كان بفعله . وقال الذين أباحوه من الشافعية : إنه تغليب لحكم السفر . وقد نص الحنابلة المؤيدون لهذا الرأي على أن الأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم ، خروجا من خلاف من لم يبح له الفطر ، وهو قول أكثر العلماء ؛ تغليبا لحكم الحضر ، كالصلاة . الثالثة : أن يفطر قبل مغادرة بلده . وقد منع من ذلك الجمهور ، وقالوا : إن رخصة السفر لا تتحقق بدونه ، كما لا تبقى بدونه ، ولما يتحقق السفر بعد ، بل هو مقيم وشاهد ، وقد قال تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد ، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ؛ ولذلك لا يقصر الصلاة . والجمهور الذين قالوا بعدم جواز الإفطار في هذه الصورة ، اختلفوا فيما إذا أكل ، هل عليه كفارة ؟ فقال مالك : لا . وقال أشهب : هو متأول . وقال غيرهما : يكفر . وقال ابن جزى : فإن أفطر قبل الخروج ، ففي وجوب الكفارة عليه ثلاثة أقوال ، يفرق في الثالث بين أن يسافر فتسقط ، أو لا فتجب . ويتصل بهذه المسائل في إفطار المسافر : ما لو نوى في سفره الصوم ليلا ، وأصبح صائما ، من غير أن ينقض عزيمته قبل الفجر ، لا يحل فطره في ذلك اليوم عند الحنفية والمالكية ، وهو وجه محتمل عند الشافعية ، ولو أفطر لا كفارة عليه ؛ للشبهة . قال ابن عابدين : وكذا لا كفارة عليه -